محمد بن جرير الطبري

28

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بالتوحيد ، والشهادة لربه بالألوهة ، وأنه لا إله غيره فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ يقول : فهم في رحمة الله ، يعني في جنته ونعيمها ، وما أعد الله لأهلها فيها ، هُمْ فِيها خالِدُونَ أي باقون فيها أبدا بغير نهاية ولا غاية . القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ يعني بقوله جل ثناؤه : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ هذه آيات الله وقد بينا كيف وضعت العرب " تلك " و " ذلك " مكان " هذا " و " هذه " في غير هذا الموضع فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . وقوله : آياتُ اللَّهِ يعني : مواعظ الله ، وعبره وحججه . نَتْلُوها عَلَيْكَ نقرؤها عليك ونقصها . بِالْحَقِّ يعني : بالصدق واليقين وإنما يعني بقوله : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ هذه الآيات التي ذكر فيها أمور المؤمنين من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمور يهود بني إسرائيل وأهل الكتاب ، وما هو فاعل بأهل الوفاء بعهده وبالمبدلين دينه والناقضين عهده بعد الإقرار به . ثم أخبر عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه يتلو ذلك عليه بالحق وأعلمه أن من عاقبه من خلقه بما أخبر أنه معاقبه من تسويد وجهه وتخليده في أليم عذابه وعظيم عقابه ومن جازاه منهم بما جازاه من تبييض وجهه وتكريمه وتشريف منزلته لديه بتخليده في دائم نعيمه فبغير ظلم منه لفريق منهم بل لحق استوجبوه وأعمال لهم سلفت ، جازاهم عليها ، فقال تعالى ذكره : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ يعني بذلك : وليس الله يا محمد بتسويد وجوه هؤلاء ، وإذاقتهم العذاب العظيم ؛ وتبييض وجوه هؤلاء ، وتنعيمه إياهم في جنته ، طالبا وضع شيء مما فعل من ذلك في غير موضعه الذي هو موضعه ، إعلاما بذلك عباده ، أنه لن يصلح في حكمته بخلقه ، غير ما وعد أهل طاعته والإيمان به ، وغير ما أوعد أهل معصيته والكفر به ، وإنذارا منه هؤلاء وتبشيرا منه هؤلاء . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني بذلك جل ثناؤه : أنه يعاقب الذين كفروا بعد إيمانهم بما ذكر أنه معاقبهم به من العذاب العظيم ، وتسويد الوجوه ، ويثيب أهل الإيمان به ، الذين ثبتوا على التصديق والوفاء بعهودهم التي عاهدوا عليها ، بما وصف أنه مثيبهم به ، من الخلود في جناته ، من غير ظلم منه لأحد الفريقين فيما فعل ، لأنه لا حاجة به إلى الظلم ، وذلك أن الظالم إنما يظلم غيره ليزداد إلى عزته عزة بظلمه إياه ، وإلى سلطانه سلطانا ، وإلى ملكه ملكا ، لنقصان في بعض أسبابه ، يتمم بما ظلم غيره فيه ما كان ناقصا من أسبابه عن التمام ، فأما من كان له جميع ما بين أقطار المشارق والمغارب ، وما في الدنيا والآخرة ، فلا معنى لظلمه أحدا فيجوز أن يظلم شيئا ، لأنه ليس من أسبابه شيء ناقص يحتاج إلى تمام ، فيتم ذلك بظلم غيره ، تعالى الله علوا كبيرا ؛ ولذلك قال جل ثناؤه عقيب قوله : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ واختلف أهل العربية في وجه تكرير الله تعالى ذكره اسمه مع قوله : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ظاهرا وقد تقدم اسمه ظاهرا مع قوله : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة : ذلك نظير قول العرب : أما زيد فذهب زيد ، وكما قال الشاعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء * نغص الموت ذا الغني والفقيرا فأظهر في موضع الإضمار . وقال بعض نحويي الكوفة : ليس ذلك نظير هذا البيت ، لأن موضع الموت الثاني في البيت موضع كناية ، لأنه كلمة واحدة ، وليس ذلك كذلك في الآية ، لأن قوله : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خبر ليس من قوله : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ في شيء ، وذلك أن كل واحدة من القصتين مفارق معناها معنى الأخرى ، مكتفية كل واحدة منهما بنفسها ، غير محتاجة إلى الأخرى ، كما قال الشاعر : " لا أرى " الموت محتاج إلى تمام الخبر عنه . وهذا القول الثاني عندنا أولى بالصواب ، لأن كتاب الله عز وجل لا يؤخذ معانيه ، وما فيه من البيان إلى الشواذ من الكلام والمعاني وله في الفصيح من المنطق